أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
437
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قبلها ، لكنها جاءت لاستقصاء الأحوال التي يقع فيها الفعل ، ولتدلّ على أن المراد بذلك وجود الفعل في كل حال ، حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل ، ولذلك لا يجوز : « اضرب زيدا ولو أساء إليك » ولا : « أعطوا السائل ولو كان محتاجا » ، فإذا تقرّر هذا فالواو في « ولو » في الأمثلة التي ذكرناها عاطفة على حال مقدرة ، والمعطوف على الحال حال ، فصحّ أن يقال إنها للحال من حيث عطفها جملة حالية على حال مقدرة ، وصحّ أن يقال إنها للعطف من حيث ذلك العطف ، والمعنى - واللّه أعلم - أنها إنكار اتّباع آبائهم في كلّ حال حتى في الحالة التي لا تناسب أن يتّبعوهم فيها وهي تلبّسهم بعدم العقل والهداية ، ولذلك لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على « لو » إذا كانت تنبيها على أنّ ما بعدها لم يكن مناسبا ما قبلها ، وإن كانت الجملة الحالية فيها ضمير عائد على ذي الحال ، لأنّ مجيئها عارية من هذه الواو مؤذن بتقييد الجملة السابقة بهذه الحال . فهو ينافي استغراق الأحوال ، حتى هذه الحال ، فهما معنيان مختلفان ، ولذلك ظهر الفرق بين : « أكرم زيدا لو جفاك » وبين « أكرم زيدا ولو جفاك » انتهى . وهو كلام حسن وجواب « لو » محذوف تقديره : لاتّبعوهم ، وقدّره أبو البقاء : « أفكانوا يتّبعونهم » وهو تفسير معنى ، لأن « لو » لا تجاب بهمزة الاستفهام . قوله : شَيْئاً فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به ، فيعمّ جميع المعقولات لأنها نكرة في سياق النفي ، ولا يجوز أن يكون المراد نفي الوحدة فيكون المعنى : لا يعقلون شيئا بل أشياء . والثاني : أن ينتصب على المصدرية ، أي : لا يعقلون شيئا من العقل . وقدّم نفي العقل على نفي الهداية ؛ لأنه تصدر عنه جميع التصرفات . قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا : اختلف الناس في هذه الآية اختلافا كثيرا واضطربوا اضطرابا شديدا ، وأنا بعون اللّه قد لخّصت أقوالهم مهذبة ، ولا سبيل إلى معرفة الإعراب إلّا بعد معرفة المعنى المذكور في هذه الآية . وقد اختلفوا في ذلك : فمنهم من قال : معناها أنّ المثل مضروب بتشبيه الكافر بالناعق . ومنهم من قال : هو مضروب بتشبيه الكافر بالمنعوق به . ومنهم من قال : هو مضروب بتشبيه داعي الكافر بالناعق ، ومنهم من قال : هو مضروب بتشبيه الداعي والكافر بالناعق والمنعوق به . فهذه أربعة أقوال . فعلى القول الأول : يكون التقدير : « ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم كمثل الرعاة يكلّمون البهم ، والبهم لا تعقل شيئا » . وقيل : يكون التقدير : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه لا ينتفع من نعيقه بشيء ، غير أنّه في عناء ، وكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة إلا العناء . قال الزمخشري - وقد ذكر هذا القول - : « إلّا أنّ قوله : « إلا دعاء ونداء » لا يساعد عليه لأنّ الأصنام لا تسمع شيئا » . قال الشيخ « 1 » : « ولحظ الزمخشري في هذا القول تمام التشبيه من كلّ جهة ، فكما أن المنعوق به لا يسمع إلا دعاء ونداء فكذلك مدعوّ الكافر من الصنم ، والصنم لا يسمع ، فضعف عنده هذا القول » قال : « ونحن نقول :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 481 ) .